الأربعاء، 31 ديسمبر 2014




في مسقط رأسي، يَجُوب شوارعه أحد المُختلين، بلباس رثٍّ يكاد يغيب عنه اللون الأبيض لقتامته نتانة، ينتعل الأرض وأحجارها، والناظر إلى قدميه عاجز عن فرز الأظافر منها، كلها مطلية بالسواد، رائحته التي تفوق قرفا رائحة الأجْثاث، مداها يبلغ في القطر عشرين مترا يُمَركِزه شخصه، لحيته الضاربة في الطول دوما تقطر خمرا، أصبح كذلك بعد مدة قضاها في امتهان التدريس، كان أستاذ رياضيات في السلك الثانوي، وأمثاله في مصيبته كُثُر...
يوم السبت الماضي، زرت أحد أصدقائي العاملين في نفس الميدان، زرته بمدرسة ابتدائية، وهناك ألفيت شخصا شلت يداه واعْوَجَّ ثغره، بالكاد يحافظ على توازنه، أخبرني صديقي أنه كان أستاذا، واعتبارا لما آلت إليه ظروفه الصحية، أوكِلت إليه مهام إدارية حفاظا على مصدر عيشه...
وتظل مهنة التدريس في بلادنا، أتعس مهنة...

الجمعة، 26 ديسمبر 2014

حملق طويلا في وجهه على المرآة، تفحص تجاعيد وجهه المُشَكَّلَة حديثا، ثم صَوَّبَ نظراته نحو جنبات رأسِه، أعلى أذنيه بقليل،  أصابه الذهول من الشيب المنبثق كثيفا، أدرك بمرارة إقباله على الذبول دون أن يلقى له جَبْرا...
لقد تدهورت حالته النفسية قبل هذا الحدث بكثير، فبدأت سلوكاته تأخذ طابعا متَوتِّرا، وبدأت العصبية تفعل فعلتها في الرجل، والزمن يأخذ في التهامه على مهل.
لكن ما سبب كل تلك العصبية؟ أيكون الرهبة من الفناء؟ إنه يعتقد ذلك، لكن ربما يكون غير ذلك تماما، فسلوكياته طالت الأبناء والمعارف على حد سواء، لم يعد ينفق مليما على أسرته الصغيرة، كما بدأ ينمي بقوة تمييزا ما بين الأبناء، فبدأ يعَلي من قيمة الذكر، ويحط من بناته أشد حِطَّة، تنامَى هذا الشعور مُذ تزوجت بنته الكبرى، أحس كل ما أنفق يُنتزع منه على حين غرة، تَحَمَّلَها في صغرها ووسَخها، ونالها مَن كانت نصيبه دون أن يجهد في ذلك، وكانت خلاصته في ذلك أن ما فائدة البنات إن كان يستفيد من تمارهن الغرباء.
وكان من غريب الصدف أن بنتا أخرى ختمت عنقوده، كانت تسلب منه أحلى لحظات حياته الزوجية، فأخذت الغيرة تنخر قلبه المنكوس، وتذكي حقده الدفين...

أشياء وأشياء أخرى قد تلعب بشكل حاسم في تحديد مكمن الخلل، المهم، قرر أن يدلف إلى الدكتور النفسي، وسأوافيكم بمخاض الجلسات عما قريب !

الثلاثاء، 23 ديسمبر 2014

اِنتزَعتُ ابتسَامة حَريرية مِن ثغْرِها بِشُقِّ الأنفُس، تَحَايلْت من أجلها طويلا حتى نِلت مُرادي أخيرا، جمالها ساحر، وشَعْرُها الذهبي الناعم يَسُرُّ النَّاظرين، مُفعمَة بالنشاط والحيوية، شُحُّ صوتها يَزيدُه عذوبة، إلا أنها لا تقتَاتُ إلا على المُعَلَّبات، لا تَهْوَى اصْطيَاد الفئْرَان، ما يُعْلِي مِن تَكْلُفتها...

إنجازٌ عظيمٌ أنْ تَنْتَزع ابتسامةً مِن قطة، وقد أخْطأ مَن قال: الابتسامة مِيزَةُ الإنسان، لا، فلربما تَكُون قِطَّا دُون أن تدري...

ذهبت أمس زائرا أحد أصدقائي الذي يعمل حارسا بإحدى التجزئات الحديثة، التقيته بعيدا عن مأواه، ثم رافقته إلى بائع دجاج، كان ينوي أخذ بعض بقايا الذبح لكلبته التي أنجبت سبعا، اعتذر له البائع وطلب منه العودة بعد حِين، ذهبنا إلى مأواه البسيط، كان خجولا من كلبته التي عاد إليها بِخفي حنين، ما إن لمَحَته حتى بدأت في الركض إليه والحَوْم حوله عَلَّه وعَسَاه يرميها بقطعة لحم، لكن دون جدوى...
قضى حاجته ساعة في المأوى، ثم عدنا إلى بائع الدجاج دون أن تَبرحَنا الكلبة لحظة، اقتفَت أثرَنَا حتى بلغنا مَقصدَنا، وفي طريقنا إليه، تعرضت كلبتنا لصُنوف الابتزاز الجِنسي من بني جنسها طبعا، وكانت في كل مرة تدنوا إلينا طمعا في الاحتماء.
أخذنا ما أَلِف بائع الدجاج تحضيره لصديقي، ثم عُدنا أدْراجنا إلى المأوى، كان الاطمئنان بَاديا في سلوك الكلبة حين العودة... وما إن يضع صديقي وجبة الكلاب أرضا، ويبدأ بالصفير على نحوٍ مميز، حتى يتسابق الجِراءُ إليه، فيفترسوا الطعام افتراسا، دون أن تقترب الكلبة منهم، دون أن تزعجهم، فتظل مُحافظة على مسافة معينة منهم، وتراقبهم دون كلل حتى يفْرَغُوا من الأكل وينصرفوا إلى اللعِب...

راقني كثيرا ذلك المَنظر، الكلبة كانت جائعة بالتأكيد، لكنها آثرَتْ مصلحة أبنائها على نفسها، إنها مُناضلةٌ بالفعل...

الاثنين، 22 ديسمبر 2014



أحكم ربطة عنقه الحمراء، وضع على الجانب الأيمن لمعطفه عطرا أهداه له أبوه الخبير في جودة العطور، عطر ليس ككل العطور، استلمه يوم عيد ميلاده الأخير... اتجه نحو مائدة الإفطار، وجد زوجته بانتظاره، فطرا سويا، عاد إلى غرفة نومه ليأخذ نظارته الشمسية، وجد قربها رسالة دأبت أمه على كتابتها كل صبيحة اثنين منذ أن أدرك القراءة، تدعو له فيها بالتوفيق والنجاح...
غادر البيت مٌقِلا سيارته صوب مكتبه الواقع بشقة في منتهى الرُّقِي، وجد في انتظاره أحد زبنائه المُتْرفين، وهو أحد الفاعلين الجمعويين المحليين، ماسكا بيده صبيا يبدو أن سنه لا يتجاوز الثالثة عشر، ملابسه رثة متسخة، وجهه مليء بالخدوش، نظراته قاسية ثاقبة.
قال الزبون: لقد جئتك به قصد العلاج، إنه يعاني أزمات نفسية حادة، تلقفته من الشارع، ستتكلف الجمعية بمصاريف العلاج.
وافق الدكتور النفسي رغم بعض التحفظ والقرف، أقعده في غير مجلس الزبناء، على أحد الكراسي الخشبية، لم يألف استقبال أشخاص من تلك الطينة، ولا ألف الإنصات إليهم.
بدأ الدكتور في استنطاقه بأنَفَة متعاظمة، والصبي يجيب بكلمات، بأجوبة قصيرة إن استوجب الأمر ذلك، وباستهزاء ألمعي في بعض المواقف، لم تُرْهبه فَخامة المكان، ولم يستصغره عطر الدكتور ولا هندامه الأنيق.
بدأ الدكتور يحس بالارتباك، استشعر ذكاء الصبي وفطنته، أراد أن ينهي المقابلة سريعا وبنصائح موجَزة:
- يا بني، أول ما عليك فعله هو تنظيف هيئتك، اعتني بهندامك، ستحس بالراحة، حاول أن تلهي نفسك بالقراءة والصلاة حتى تتخلص من بِلية "السيليسيون"، لا تأكل غير الطازج، فطبيعة الغذاء لها تأثير بليغ على المستوى النفسي / العقلي للفرد، حاول أن تنظم وقتك، حاول....
تَكلم كثيرا حتى أحس نفسه لم ينطق ذات معنى، استبصر ذلك من عيني الصبي المُربكة، سكت عن الكلام دون إدراك، ليردف الصبي قولا:
- وفِّر كلماتك لأشخاص من طينتك، لم أعرف أبا ولا أما تعتني بملابسي منذ فطامي، ليس لي مسكن يأويني لأشعر بالراحة، أحيى اعتباطا دون تخطيط، لست أختار طعامي، بل أصيبه توسلا، أو آخذه اختلاسا، خذ مكاني ساعة تخجل من كلماتك دهرا، مفاهيمك لا أستطيع إدراكها فهما، فكيف أدركها عملا، وفِّر كلامك، وفره...
قالها بغضب ومُرُوءةِ شَهْم، خرج دون استئذان، مُخَلِّفا طعنة حادة في نخوة الطبيب، لم يحاول ثنْيَه عن الخُروج، استحيى لكل كلمة تفَوَّهَها، غرِق للحظةٍ شرودا، قبل أن تأذن السكرتيرة بإدخال زبون آخر، أراد النظر إلى الساعة، لم يجد هاتفه المحمول: سحقا، أكيد أخذه الصبي...

بحُكم طبيعتي المِهنية، أقابِل كل يوم أشكالا مختلفة من النساء والرجال، والغريب في ذلك، أن النساء دائما تبدو أكبر سنا من الرجال بمحن كثيرة، رُغم أنهن في الغالب ربَّات بيت، وأظن ذاك هو السبب، فالرجل بمبرر العمل دائم الترحال والاكتشاف، وينسج علاقات متجددة كل يوم، مِمَّا يساهم على نحو حاسم في تكوين شخصيته، كما يسمح له باتزان نفسي نسبي. عكس المرأة، فتجد محيطها جِدَّ محدود، علاقاتها محدودة، وإن أضاعَت إحدى حَلقاتها أصابها العُصَاب، قلما تغادر الحي، ما ينعكس سلبا على نفسيتها، فيُصاب عَقلها بالجمود والطفولية، وتغدو متقلبة المزاج، وتصبح حساسيتها مفرطة تجاه صغائر الأمور، وبذلك تكون أكثر عرضة للتهالك وانتهاء الصلاحية في الأمد القريب...


رنَّ هاتفه على غير العادة، على غير الرَّنة التي ألِفَها عليه، ربما أحدهم عبث بإعدادات الهاتف، لا يهم... لكن، مَنِ السائل؟
جاءه اتصال من إحدى الشركات العظمى بالمنطقة، طلبت قدومه إلى مكتب الإدارة قصد استلام وظيفة، لا عفوا، طلبت منه أن يُعِدَّ نفسه، لأنهم قرروا أن يرسلوا إليه سيارة خاصة تقله إلى مركز الشَّركة.
بعد أن وافق دون تردد، تحير في داخله السؤال لحظة: من أين لهم برقم هاتفي؟ من أين لهم بعنواني؟ ربما أحد المتشفين يُمازحني؟ لا يَهُم...
بعد لحظات، سمع صوت منبه السيارة، أطل من النافذة، لمح سيارة فخمة يُلوِّحُ منها رجل يبدو على محياه البَذخ، نزل إليه مهرولا، قال له سائق السيارة الفخمة: الكبير في انتظارك !
انطلقا كالسهم صوب المركز، استقبله المدير بحفاوة بليغة، عرض عليه وظيفة شبه حرة، أن يشتغل بمعدل ثلاثة أيام في الأسبوع، والمقابل الشهري 30 ألف درهم، وسيارة من نوع 4×4، والعديد من الامتيازات.
قَبِل العرض على الفور، استلم مفاتيح السيارة، غادر الشركة إلى السيارة الفخمة وكله بهجة وسرور، وقَبْل أن يَمَسَّها، قَبْل أن يضع المفاتيح في موْضِعها، أفاق على صراخ أمه وهي تنزع عنه البطانية: "أفِيقْ أخَانْزْ الرْجْلِينْ أُوخْرْجْ قْلبْ لِيكْ عْلَى شِي خْدْمَة بْحَال ڭرَانْكْ"